أحمد بن يحيى العمري

305

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

هذا إلى توسع في بقية العلوم ، وتطلّع إلى سائر المعارف على العموم ، والتحاقه وما خلع الشباب بمشايخ الطريقة ، وقيامه فيها بأكثر من قدرة الهمم المطيقة ، فأمسى في نكرات زمانه المفرد العلم ، ومن يشابه أباه فما ظلم . وكان يجمعنا وإياه طلب العلم زمن الشباب ، وأيام الصبا قبل أن يتقلص الجلباب . وكان عالما لم يضيّع أيامه ، وعارفا قدّم أمامه ، لم يزل عمره في جد كله ، وجهد في أن لا يأكل شيئا إلا من حلّه ، والدنيا عنه معرضة ، وأصل الأيام له ممرضة ، وهو عنها أيّ مزور « 1 » ، وكنفه منها مغبر ثم مغبر ، فلما أسمع صيته من له أذنان ، وأجنى ذكره مثل اجتنا الأفنان . ولي التدريس ، وتصدّر ، ودونه كل رئيس . قال : لقد نعيت إلي نفسي لأننا قوم لا نعهد هذا من الدنيا ، وحكم بدنو الأجل على نفسه ، وانطلق ولم يمتد شوط المهل حتى وسّد في رمسه . قرأ القرآن الكريم ، وأتقن حفظه ، وتفقه بشيخ الإسلام شيخنا برهان الدين ابن الفركاح ، وأخذ النحو عن شيخنا كمال الدين ابن قاضي شهبة ، وكان كثيرا ما تجمعنا أوقات الاشتغال عنده ، ثم لم ألقه إلا بعد أن قدمت دمشق من مصر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ، فرأيت منه أنموذج السلف ، وطريقة الألى ، ورجل دنيا وأخرى . كان عقله عقل الوزراء ، وزيه زي الفقراء ، ويتيه على الدنيا تيه الأمراء . وكان في زاوية أبيه ، غربي الصالحية ، في جبل قاسيون ، لا يخلو من زائر ، ولا يأتيه أحد إلا ويضيفه ، ويطعمه مما حضر واتفق على حسب الميسور . هذا مع ضرورة ماسّة ، وفقر . وكان ميّالا إلى الفقهاء وأهل العلم ، منحازا إلى شعوبهم « 2 » ، لا يزال ينظر في كتاب فقه ، أو حديث ، أو في نسخ شيء من ذلك ؛ إما بيده ، وإما بيد غيره ، أو في مقابلة على شيء كتب .

--> ( 1 ) أي مجاف لها ، ومعرض عن إغرائها . ( 2 ) جمع شعب ، وهو في الأصل ما بين الجبلين ، والمقصود أنه ملازم لطريقتهم ، ومداوم على مجالستهم .